الثلاثاء , يناير 18 2022

التحليق بكوب قهوة باهظ!


عزمني الشاب السبعيني مصلح أكثر من مرة، وكنت أعتذر كي لا أكلف عليه، فأنا أعرف أحواله؛ لأنه يستلف مني في منتصف كل شهر، لكنه هذه المرة أصر، وحين مررت به في البيت وهممت بالنزول، فاجأني من الخلف قائلا: «أنت ما تشوف؟»، ارتبكت نوعا ما، ثم استعدت توازني، وأسعفتني لباقتي، بالثناء على ملابسه: «ما شاء الله، شباب، برمودا وكت وقبعة قرصان» فركب مباشرة، واحترت كثيرا في أمره، كنت أظن العزيمة في بيته!

ظل يرشدني عبر الطرقات، ويتحدث: «أنتم السعوديون مساكين، تقسون على أنفسكم بهذه الملابس التقليدية، وكأنكم معاقبون بحمل هذا العقال الذي يزن 500 جرام على رؤوسكم» ثم ضحك، وضحكت مجاملة له، فأردف: «يا أحمد، بحثت عن السعادة كثيرا وللتو وجدتها، تخلصت من أثقالنا الثقافية، ومن ملابسنا التراثية، حتى قهوتنا المملة طلقتها بالثلاث» ثم ضحك، وقال: «جنّب هنا، وتعال إلى جنة السعادة»، تلفتّ فلم أر إلا مقهى شهيرا له علامة خضراء كبيرة ظننتها برج العذراء، فأخذ بيدي قائلا:

You must be open mind. ثم دخلنا المقهى، وطلب كوبين من القهوة وبعض القطع من الحلوى، والساندويتشات، ثم جلس على جبين ذهولي، ينظر إليّ ويبتسم، وقال: «يجب أن تخرج من تقليديتك يا رجل، يجب أن ترى الحياة من زوايا أخرى، ولعل أوضح الزوايا لرؤية الحياة تكمن في هذا الكوب، نحن يا صديقي أسرى الموروثات»، ثم ارتشف رشفة وكأنه يرتشف من حوض الكوثر، فقد ظهرت على وجهه تعابير لم أشاهدها من قبل، أشعر بأن الرجل يحلق في عالم آخر، فارتشفت رشفة وجدتها مُرة، فحليتها بثلاثة مغلفات سكر، ولم تقض على المرارة، فزدتها سكرا حتى استسغتها، فانتبه إلى رشفتي وقال: «حلّق ياعم أحمد حلّق، أنا صانع أجنحتك».

كنت أشعر بغربة في ذلك المكان، لكن حين أجلت نظري في حركة الناس، رأيت العجب، شباب وشابات ورجال وكهول، فقاطع تأملي النادل يناول مصلح الفاتورة، فلم يتردد في مناولته بطاقة مدى، وحين سألته عن المبلغ، صعقتني إجابته: 163 ريالا، فصحت به: «يا رجل، على قهوة وكيك؟» فضحك وقال: «لم تؤثر القهوة في تقليديتك يا متقشف، في الجلسة التالية ستفعل بك، كنت مثلك، لكن شعوري بالسعادة أحالني بلبلا يجلس مع غراب»، وأشار بإصبعه نحوي وضحك!

ركبنا السيارة ومصلح في نشوة بالغة حتى أوصلته منزله، وتعجبت من حاله، وحال الذين بالكاد يجدون مصروفا، كيف لهم أن يفرطوا في أموالهم في هذه الترهات، هل نحن مجتمع تعيس إلى درجة شراء السعادة في كوب قهوة باهظ الثمن؟ أم هي الموضة التي يركبها الفارغون؟ أم الشعرية التي جلل بها الكتاب والشعراء كوب القهوة منذ المنتديات الالكترونية؟ أم أنا معقد إلى درجة أنني لا أقترب من هذه الأماكن الملتهبة؟

[email protected]





المصدر: صحيفة مكة

شاهد أيضاً

جدة المكان والمكين

في المجلد الثقافي بموسوعة جدة العلمية، وهي موسوعة شاملة قام بكتابتها نخبة من الأساتذة الأكاديميين، …

النمو الذكي للمدن!

لقد عانت العديد من المدن في الدول النامية من التوسع الحضري الأفقي والذي أثر سلبا …

المطبات الهوائية لا تُسقِط الطائرة

يقول باتريك سميث مؤلف كتاب (اسأل الكابتن): «أثناء المطبات الهوائية تكون الظروف مزعجة وغير مريحة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *